- العلم - العبادة - الدعوة والمعاملة - المعصية - التوبة ولذة المناجاة
التدين صفة ملازمة للتاريخ؛ فحيثما كان الاجتماع البشري فثم التدين، والتضاد مع اللاتدين ورغبة المتدينين في ولوج الناس رحاب التدين ليذوقوا ما ذاقوا من معرفة وبرهان، وبطبيعة الكفر والفسق والظلم تتجسد هذه المعاني كأشخاص سطر التاريخ دمويتها وتنكيلها بالمؤمنين، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ( فرعون- قارون – محرقو أصحاب الأخدود). لا أريد أن أطيل في المقدمة بقدر ما أريد أن ألقي الضوء على بعض النقاط لعلها تنفع, التدين صفة حضارية ولا شك، ويجب على كل متدين أن يثق بهذا قبل أن يتوجه بخطابه الوعظي للآخرين. التدين ليس مقابل الحياة ولا بديلاً عنها، ومن باب أولى ليس التدين بنقيض لها، هو الحياة الحياة رحمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). الحياة للعالمين، إن العالم يسعنا ويسع الشعوب والثقافات الكثيرة التي يعج بها المعمور، وليس من رسالتنا أن نلغي الفروق، ونسلب الجميع خصوصياتهم، فإن وافقونا طوعاً أو كرهاً ردحاً من الزمن فلن يصح إلاّ الصحيح، وسيعود كلٌّ إلى عادته، وما رضعه من ثدي أمه، فإن اعتبرنا ذلك مروقاً خسرنا كثيراً، فسبحان من جعل هذه الرحمة للعالمين، وأكمل لنا النعمة وارتضى لنا الإسلام ديناً. إن باستطاعة الجميع أن يكون متديناً وليس شرطاً أن يكون ذلك عن طريقنا أو بأسلوبنا ما دام مسلماً مستكملاً لأركان الإسلام والإيمان وعاملاً بما صح عنده من الدليل على منهج أهل السنة والجماعة؛ فأنا هنا أتحدث عن أيقونات تشرنقنا فيها ووالينا وعادينا فيها من غير سلطان من الله، وإنما هي العادة والمألوف أحدهم يحدثني أن سبب انفضاض فلان وفلان من حولي هو أنني ألبس عقال..! والآخر نصحني عدم الكتابة في موقع (الإسلام اليوم) قلت له: لماذا؟ قال: لأنهم على الباطل، فإن كنت ستنكر عليهم، وإلاّ فلا تكتب عندهم. قلت له: أنا أكتب في جريدة (الجزيرة) أيضاً فقال: هذا أدهى وأمر ... ؟! أنا هنا لا أتحدث عن فراغ وليست القضية شخصية بقدر ما هي أزمة صحوة تحتاج إلى علاج، والجميع عنده حكايات وعجائب وأنا بها زعيم .. التدين نعمة (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) التدين هو روح العصر؛ فالإسلام صالح لكل زمان ومكان وأمة، وما الإلحاد -وهو درجات- إلاّ دركات التخلف والبربرية، فكيف ينكر المخلوق الخالق؟! هناك من يظهر الإيمان، وفي وثائقه الديانة مسلم، ولكنه لا يرفع بالدين حاجباً، ولا يرتضيه لهذا العصر!! وهناك من هو على قدر من الخيرية، ولكنه يظلم الحق بقصور نظره؛ حيث يسيء الظن ويعج قاموسه بمصطلحات الإقصاء والتشنيع والخوف على الأمة الإسلامية المجيدة والنشء المسلم، ويغضب حيث لا غضب، ويخوَّف الناس من مغبة التعامل مع بعض الأشياء أو الأشخاص أو الظواهر في المجتمع، فإذا سارت الحياة رغماً عنه، وخالط الناس هذه المشاريع البشرية أو المادية أو الظواهرية -إن صحت العبارة- دخل في زمرتهم ونسي أو تناسى خطابه السابق، وهكذا يتعامل مع كل حدث، وكل شخص، وكل شيء، فكيف ضمن خطابه الوثوقية إلى اليوم (مجتمعنا ينسى كثيراً والنسيان نعمة)!!
- العلم يا طالب العلم الزم الإخلاص؛ فالناس لا تملك لك ضراً ولا نفعاً. يا طالب العلم اعمل؛ فالعلم شجرة والعمل ثمرة. قال أحد السلف إنني أرحم اثنين: الأول: يملك آلة العلم ولا يطلبه. والثاني: لا يملك آلة العلم، ويطلبه. فيا أيها المتدين، الحياة ليست كلها علم شرعي؛ فهناك العلم الكوني قد تجد نفسك هناك قد تكون حركياً فيلزمك المعلوم من الدين بالضرورة، فتنطلق في الحياة في سبيل الله، ثم أيضاً ليس شرطاً أن يتفوق الطالب في كل الفنون فيكون النحوي الفرضي الفقيه المؤرخ؛ فهذا كان ممكناً في السابق، ورحم الله الشافعي؛ إذ يقول لو كلفني أهلي بشراء بصلة لم أحفظ مسألة، فكيف بمن يشتري كيس بصل كل ثلاثة أيام، أما اليوم فنادر من يطيق ذلك، والكثير يذهب وقته في بركة مجلس الذكر، وأنعم بذلك، ولكنه لو اقتصر على ما يحسن من فنون العلم لاستفاد الاثنتين أجر المجلس وإتقان العلم، ثم أيضاً ليس شرطاً أن يكون طالب العلم مفتياً؛ فقد علمنا تدافع الصحابة للفتيا، وبإمكان الطالب أن يكون مفسراً أومحدثاً أومفكراً أو داعية أوكاتباً أومؤلفاً دون أن يفتي في مسألة، ولا يغضّ ذلك من شأنه..
- العبادة العبادة.. هاجس كل مستقيم أن يكون من العبَّاد ولكن لظروف عدة، ما العصر وسرعته وتقانته إلاّ أحدها لا يحقق الشاب ما يصبو إليه من التنسُّك، وكأن مقامات العبودية غير ممكنة إلاّ بزهد إبراهيم بن أدهم، وصلاة محمد بن المنكدر، بينما الأصل حنيفية إبراهيم السمحة، وأن نصلي كما صلّى محمد عليه الصلاة والسلام، ثم أين أعمال القلوب والتوحيد، والدعوة إلى الله على بصيرة (اتّق محارم الله تكن أعبد الناس)، وحب الخير للغير، والفرح لفرح المسلمين، والحزن لحزنهم، والسعي على الأرملة والمسكين، والنهوض بالفكر والحضارة الإسلامية بل أين اكتشاف الذات وممارسة الأعمال الميسرة للعبد، والتي يجد نفسه فيها وينشرح صدره لها( رُوي عن الإمام مالك ـ - رضي الله عنه - ـ أنه قال مجيباً العمري العابد لما كتب له يحضه على الانفراد والعمل، وترك الاجتماع والانشغال بتعليم الناس؛ حيث قال له: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرُبَّ رجل فُتِِح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصيام؛ ونشْرُ العلم وتعليمه من أفضل البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كِلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسم له والسلام»). وأين ساعة وساعة؟! إن التصالح مع الذات يخطو بالمؤمن خطوات للأمام في أقصر الأوقات.. أبو بكر لم يسبق بكثير صلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في قلبه. إن محاضرات وكتيبات (عبادة السلف) كما أنها تحفز للعمل، هي في الوقت نفسه إن لم يعلَّق عليها بـ (أن هذا ليس حال كل السلف، وليس من صلى الصبح بوضوء العشاء يفعل ذلك كل ليلة، وأن من كان يفعل ذلك كل ليلة ليس إلاّ نسبة قليلة في المجتمع الإسلامي الذي يعج بالعلماء والدعاة والقضاة وولاة الأمر والتجار الذين جلهم صالحون) أقول هذا لأننا لم نحقق تلك العبادة التي نرجو، ولم نقدم نماذج مبتسمة في وجه الحياة يراها الناس فيمنون النفس لو كانوا مثل هذه النماذج المتصالحة مع ذاتها، والتي تحسَّن الحياة بالدين بكل ثقة وهدوء نفس بلا إساءة ظن ولا خوف ولا فوبيا ..
التدين ليس شعاراً التدين ليس صوتاً التدين ليس صمتاً التدين ليس غنَّة التدين ليس عبارات محددة التدين ليس إطاراً التدين ليس شكلاً التدين ليس موجة التدين ليس فكرة إن التدين مشروع حياة، وهذا المشروع صالح لكل زمان ومكان.. إن الوقوف بالدين كمنافس للحياة خطأ ظاهر..
- الدعوة والتعامل: يخبرني أحدهم عن شاب يلقي عليه محاضرة كلما التقاه، وهو لا يصلي الفجر إلاّ بعد طلوع الشمس، ويعامل والديه بشكل عنيف..! الحياة ليست كلها محاضرة؛ فرسول الإسلام المبعوث من الله يتخول أصحابه بالموعظة، ثم أيضاً رفع الصوت والصراخ في أحيان كثيرة غير مطلوب، ولا مرغوب، وكم من مرة خرجت من المسجد، ولم أكمل أذكار ما بعد المكتوبة؛ لأن المتحدث منفعل ويصيح بأعلى الصوت، وكأن جيشاً عرمرماً قد دخل الحدود... الناس أخي المتحدث الفاضل فيهم خير كثير، ويريدون أن يسمعوا الخطاب الديني الهادئ.. أنا أعلم أن هناك وقفات تحتاج إلى الحماس، ولكن الحماس شيء والعويل شيء آخر، ثم أيضاً للحماس لحظته، كما للهدوء لحظاته ثم أيضاً هناك من الناس من يناسبه رفع الصوت، هكذا خلقه الله يعجبك إذا رفع صوته، ويشحذ همتك، ولكن بعضهم لا يليق به أبداً رفع الصوت، فحاول أن تستشير من يحضر محاضراتك: هل إلقائي جيد عندما أقذف الزبد، أم الأجمل بي أن أسترسل كالجدول السلسبيل لأنفع الناس.. ؟! القصص وإيراد القصص لسنا بحاجة أن نبين أن القصص أسلوب دعوي مذكور في القرآن والسنة، ولكننا بحاجة أن نقول ليس من الضروري إذا عرفنا ما للقصة من أثر في النفوس أن نختلق القصص، أو نكذب على الناس، أو نملح أونبالغ أو، ننقل دون فحص، ثم أيضاً إذا تواتر نسق معين من القصص مثل (انقلبت السيارة فواحد مات والمسجل يصدح بالغناء والثاني تاب) ينبغى ترك مثل هذه القوالب حتى وإن كانت صحيحة؛ لأن الناس حفظوها بل وبدؤوا يشككون فيها!! أقول قولي هذا كي نعيد لخطابنا التوهج الذي بدأ يبلى.. إن التكرار واجترار سوالف بدايات الصحوة ليبعث على السآمة، وصناعة السينما والإعلام تجاوزت الخطاب الدعوى بمراحل، وليس المعنى أن الدعوة في مضمار مع السينما أو الإعلام بقدر ما أن الناس يعقدون مقارنات في اللاوعي بين المشاهد السينمائية الحية، والمتجددة، والخطاب الدعوي المكرور .. وهنا يسأل سائل لا أقول إنه سيسأل: وهل يتغير الدين كي نغير الدعوة..؟ لا بل سيسأل: وكيف نضخ الدماء في عروق الخطاب الدعوي؟ أقول: باجتناب السلبيات الفنية من رفع الصوت وغيره كما مر, والظهور بثوب حسن ونعل حسنة؛ فالعصر عصر المادة؛ فالذي ينظر إليك وأنت توجِّه وتأمر وتنهى يحدث نفسه بأنك تطالبه أن يكون مثلك، وينتمي إلى صفك، ويفكر كما تفكر، ويلبس كما تلبس، فإذا كانت ملابسك رثة تحت ذريعة الزهد أو تغبير الأقدام في الدعوة أحجم. كذلك يكون التجديد بالتحضير الجيد للدرس، واحترام عقول المستمعين، وقبل هذا الإعداد العلمي والفكري المتين.. نضيف إلى هذا التعامل الجيد والأخلاق الحسنة ولين الجانب.. أحدهم يكثر من الحديث عن أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنه كان خلقه القرآن، فلما اتصلت به تليفونياً ظننت أنني سأجد أخلاق القرآن، فإذا الغلظة غير المبررة، والصوت الأجش، واللغة غير المنتقاة..!! نعم يجب أن نحترم أنفسنا ونحترم الحق الذي نتكلم به؛ فعندما نتصدى للتدريس والدعوة يجب أن نكون على قدر كبير من التهذيب، ووالله ليس هذا الشخص الوحيد بل أكثر من داعية لا يجيد التعامل الراقي مع الآخرين، وكأن الذي نقوله على المنابر للناس فقط، وليس للمتحدث فيه حظ ولا نصيب، ولكي لا نظلم أحداً هناك فضلاء كثر -ولله الحمد- يفعلون ما يقولون.
وللحديث بقية...
أريد أن أتديَّن ...(1/2) تأملات في التدين صورة: http://www.islamtoday.net/media_bank...09217_2911.jpg تركي بن رشود الشثريالعناصر: **- العلم* *- العبادة* *- الدعوة والمعاملة* *- المعصية* *- التوبة ولذة المناجاة* * التدين صفة ملازمة للتاريخ؛ فحيثما كان الاجتماع البشري فثم التدين، والتضاد مع اللاتدين ورغبة المتدينين في ولوج الناس رحاب التدين ليذوقوا ما ذاقوا من معرفة وبرهان، وبطبيعة الكفر والفسق والظلم تتجسد هذه المعاني كأشخاص سطر التاريخ دمويتها وتنكيلها بالمؤمنين، وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ( فرعون- قارون – محرقو أصحاب الأخدود).* *لا أريد أن أطيل في المقدمة بقدر ما أريد أن ألقي الضوء على بعض النقاط لعلها تنفع, التدين صفة حضارية ولا شك، ويجب على كل متدين أن يثق بهذا قبل أن يتوجه بخطابه الوعظي للآخرين. التدين ليس مقابل الحياة ولا بديلاً عنها، ومن باب أولى ليس التدين بنقيض لها، هو الحياة الحياة رحمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). الحياة للعالمين، إن العالم يسعنا ويسع الشعوب والثقافات الكثيرة التي يعج بها المعمور، وليس من رسالتنا أن نلغي الفروق، ونسلب الجميع خصوصياتهم، فإن وافقونا طوعاً أو كرهاً ردحاً من الزمن فلن يصح إلاّ الصحيح، وسيعود كلٌّ إلى عادته، وما رضعه من ثدي أمه، فإن اعتبرنا ذلك مروقاً خسرنا كثيراً، فسبحان من جعل هذه الرحمة للعالمين، وأكمل لنا النعمة وارتضى لنا الإسلام ديناً. إن باستطاعة الجميع أن يكون متديناً وليس شرطاً أن يكون ذلك عن طريقنا أو بأسلوبنا ما دام مسلماً مستكملاً لأركان الإسلام والإيمان وعاملاً بما صح عنده من الدليل على منهج أهل السنة والجماعة؛ فأنا هنا أتحدث عن أيقونات تشرنقنا فيها ووالينا وعادينا فيها من غير سلطان من الله، وإنما هي العادة والمألوف أحدهم يحدثني أن سبب انفضاض فلان وفلان من حولي هو أنني ألبس عقال..!* *والآخر نصحني عدم الكتابة في موقع (الإسلام اليوم) قلت له: لماذا؟ قال: لأنهم على الباطل، فإن كنت ستنكر عليهم، وإلاّ فلا تكتب عندهم. قلت له: أنا أكتب في جريدة (الجزيرة) أيضاً فقال: هذا أدهى وأمر ... ؟!* *أنا هنا لا أتحدث عن فراغ وليست القضية شخصية بقدر ما هي أزمة صحوة تحتاج إلى علاج، والجميع عنده حكايات وعجائب وأنا بها زعيم ..* *التدين نعمة (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) التدين هو روح العصر؛ فالإسلام صالح لكل زمان ومكان وأمة، وما الإلحاد -وهو درجات- إلاّ دركات التخلف والبربرية، فكيف ينكر المخلوق الخالق؟! هناك من يظهر الإيمان، وفي وثائقه الديانة مسلم، ولكنه لا يرفع بالدين حاجباً، ولا يرتضيه لهذا العصر!! وهناك من هو على قدر من الخيرية، ولكنه يظلم الحق بقصور نظره؛ حيث يسيء الظن ويعج قاموسه بمصطلحات الإقصاء والتشنيع والخوف على الأمة الإسلامية المجيدة والنشء المسلم، ويغضب حيث لا غضب، ويخوَّف الناس من مغبة التعامل مع بعض الأشياء أو الأشخاص أو الظواهر في المجتمع، فإذا سارت الحياة رغماً عنه، وخالط الناس هذه المشاريع البشرية أو المادية أو الظواهرية -إن صحت العبارة- دخل في زمرتهم ونسي أو تناسى خطابه السابق، وهكذا يتعامل مع كل حدث، وكل شخص، وكل شيء، فكيف ضمن خطابه الوثوقية إلى اليوم (مجتمعنا ينسى كثيراً والنسيان نعمة)**!! * *- العلم* *يا طالب العلم الزم الإخلاص؛ فالناس لا تملك لك ضراً ولا نفعاً.* * يا طالب العلم اعمل؛ فالعلم شجرة والعمل ثمرة. قال أحد السلف إنني أرحم اثنين: الأول: يملك آلة العلم ولا يطلبه. والثاني: لا يملك آلة العلم، ويطلبه.* * فيا أيها المتدين، الحياة ليست كلها علم شرعي؛ فهناك العلم الكوني قد تجد نفسك هناك قد تكون حركياً فيلزمك المعلوم من الدين بالضرورة، فتنطلق في الحياة في سبيل الله، ثم أيضاً ليس شرطاً أن يتفوق الطالب في كل الفنون فيكون النحوي الفرضي الفقيه المؤرخ؛ فهذا كان ممكناً في السابق، ورحم الله الشافعي؛ إذ يقول لو كلفني أهلي بشراء بصلة لم أحفظ مسألة، فكيف بمن يشتري كيس بصل كل ثلاثة أيام، أما اليوم فنادر من يطيق ذلك، والكثير يذهب وقته في بركة مجلس الذكر، وأنعم بذلك، ولكنه لو اقتصر على ما يحسن من فنون العلم لاستفاد الاثنتين أجر المجلس وإتقان العلم، ثم أيضاً ليس شرطاً أن يكون طالب العلم مفتياً؛ فقد علمنا تدافع الصحابة للفتيا، وبإمكان الطالب أن يكون مفسراً أومحدثاً أومفكراً أو داعية أوكاتباً أومؤلفاً دون أن يفتي في مسألة، ولا يغضّ ذلك من شأنه..* *- العبادة* *العبادة.. هاجس كل مستقيم أن يكون من العبَّاد ولكن لظروف عدة، ما العصر وسرعته وتقانته إلاّ أحدها لا يحقق الشاب ما يصبو إليه من التنسُّك، وكأن مقامات العبودية غير ممكنة إلاّ بزهد إبراهيم بن أدهم، وصلاة محمد بن المنكدر، بينما الأصل حنيفية إبراهيم السمحة، وأن نصلي كما صلّى محمد عليه الصلاة والسلام، ثم أين أعمال القلوب والتوحيد، والدعوة إلى الله على بصيرة (اتّق محارم الله تكن أعبد الناس)، وحب الخير للغير، والفرح لفرح المسلمين، والحزن لحزنهم، والسعي على الأرملة والمسكين، والنهوض بالفكر والحضارة الإسلامية بل أين اكتشاف الذات وممارسة الأعمال الميسرة للعبد، والتي يجد نفسه فيها وينشرح صدره لها**( رُوي عن الإمام مالك ـ - رضي الله عنه - ـ أنه قال مجيباً العمري العابد لما كتب له يحضه على الانفراد والعمل، وترك الاجتماع والانشغال بتعليم الناس؛ حيث قال له: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرُبَّ رجل فُتِِح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصيام؛ ونشْرُ العلم وتعليمه من أفضل البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كِلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قُسم له والسلام»)**.* *وأين ساعة وساعة؟! إن التصالح مع الذات يخطو بالمؤمن خطوات للأمام في أقصر الأوقات.. أبو بكر لم يسبق بكثير صلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في قلبه. إن محاضرات وكتيبات (عبادة السلف) كما أنها تحفز للعمل، هي في الوقت نفسه إن لم يعلَّق عليها بـ (أن هذا ليس حال كل السلف، وليس من صلى الصبح بوضوء العشاء يفعل ذلك كل ليلة، وأن من كان يفعل ذلك كل ليلة ليس إلاّ نسبة قليلة في المجتمع الإسلامي الذي يعج بالعلماء والدعاة والقضاة وولاة الأمر والتجار الذين جلهم صالحون) أقول هذا لأننا لم نحقق تلك العبادة التي نرجو، ولم نقدم نماذج مبتسمة في وجه الحياة يراها الناس فيمنون النفس لو كانوا مثل هذه النماذج المتصالحة مع ذاتها، والتي تحسَّن الحياة بالدين بكل ثقة وهدوء نفس بلا إساءة ظن ولا خوف ولا فوبيا ..* *التدين ليس شعاراً* *التدين ليس صوتاً* *التدين ليس صمتاً* *التدين ليس غنَّة* *التدين ليس عبارات محددة* *التدين ليس إطار**اً* *التدين ليس شكلاً* *التدين ليس موجة* *التدين ليس فكرة* *إن التدين مشروع حياة، وهذا المشروع صالح لكل زمان ومكان..* *إن الوقوف بالدين كمنافس للحياة خطأ ظاهر..* *- الدعوة والتعامل:* *يخبرني أحدهم عن شاب يلقي عليه محاضرة كلما التقاه، وهو لا يصلي الفجر إلاّ بعد طلوع الشمس، ويعامل والديه بشكل عنيف..!* *الحياة ليست كلها محاضرة؛ فرسول الإسلام المبعوث من الله يتخول أصحابه بالموعظة، ثم أيضاً رفع الصوت والصراخ في أحيان كثيرة غير مطلوب، ولا مرغوب، وكم من مرة خرجت من المسجد، ولم أكمل أذكار ما بعد المكتوبة؛ لأن المتحدث منفعل ويصيح بأعلى الصوت، وكأن جيشاً عرمرماً قد دخل الحدود... الناس أخي المتحدث الفاضل فيهم خير كثير، ويريدون أن يسمعوا الخطاب الديني الهادئ.. أنا أعلم أن هناك وقفات تحتاج إلى الحماس، ولكن الحماس شيء والعويل شيء آخر، ثم أيضاً للحماس لحظته، كما للهدوء لحظاته ثم أيضاً هناك من الناس من يناسبه رفع الصوت، هكذا خلقه الله يعجبك إذا رفع صوته، ويشحذ همتك، ولكن بعضهم لا يليق به أبداً رفع الصوت، فحاول أن تستشير من يحضر محاضراتك: هل إلقائي جيد عندما أقذف الزبد، أم الأجمل بي أن أسترسل كالجدول السلسبيل لأنفع الناس..** ؟!* *القصص وإيراد القصص لسنا بحاجة أن نبين أن القصص أسلوب دعوي مذكور في القرآن والسنة، ولكننا بحاجة أن نقول ليس من الضروري إذا عرفنا ما للقصة من أثر في النفوس أن نختلق القصص، أو نكذب على الناس، أو نملح أونبالغ أو، ننقل دون فحص، ثم أيضاً إذا تواتر نسق معين من القصص مثل (انقلبت السيارة فواحد مات والمسجل يصدح بالغناء والثاني تاب) ينبغى ترك مثل هذه القوالب حتى وإن كانت صحيحة؛ لأن الناس حفظوها بل وبدؤوا يشككون فيها!!* *أقول قولي هذا كي نعيد لخطابنا التوهج الذي بدأ يبلى.. إن التكرار واجترار سوالف بدايات الصحوة ليبعث على السآمة، وصناعة السينما والإعلام تجاوزت الخطاب الدعوى بمراحل، وليس المعنى أن الدعوة في مضمار مع السينما أو الإعلام بقدر ما أن الناس يعقدون مقارنات في اللاوعي بين المشاهد السينمائية الحية، والمتجددة، والخطاب الدعوي المكرور ..* *وهنا يسأل سائل لا أقول إنه سيسأل: وهل يتغير الدين كي نغير الدعوة..؟ لا بل سيسأل: وكيف نضخ الدماء في عروق الخطاب الدعوي؟ أقول: باجتناب السلبيات الفنية من رفع الصوت وغيره كما مر, والظهور بثوب حسن ونعل حسنة؛ فالعصر عصر المادة؛ فالذي ينظر إليك وأنت توجِّه وتأمر وتنهى يحدث نفسه بأنك تطالبه أن يكون مثلك، وينتمي إلى صفك، ويفكر كما تفكر، ويلبس كما تلبس، فإذا كانت ملابسك رثة تحت ذريعة الزهد أو تغبير الأقدام في الدعوة أحجم. كذلك يكون التجديد بالتحضير الجيد للدرس، واحترام عقول المستمعين، وقبل هذا الإعداد العلمي والفكري المتين..* *نضيف إلى هذا التعامل الجيد والأخلاق الحسنة ولين الجانب.. أحدهم يكثر من الحديث عن أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنه كان خلقه القرآن، فلما اتصلت به تليفونياً ظننت أنني سأجد أخلاق القرآن، فإذا الغلظة غير المبررة، والصوت الأجش، واللغة غير المنتقاة..!! نعم يجب أن نحترم أنفسنا ونحترم الحق الذي نتكلم به؛ فعندما نتصدى للتدريس والدعوة يجب أن نكون على قدر كبير من التهذيب، ووالله ليس هذا الشخص الوحيد بل أكثر من داعية لا يجيد التعامل الراقي مع الآخرين، وكأن الذي نقوله على المنابر للناس فقط، وليس للمتحدث فيه حظ ولا نصيب، ولكي لا نظلم أحداً هناك فضلاء كثر -ولله الحمد- يفعلون ما يقولون.* *وللحديث بقية...**