تساؤلات أصابت رأسي بصداع حاد ,أوهن نظري و أنا اديره حين ولجت لمبنى المدرسة ( في يومي الأول )
وإلا أنا من قبلها , كُنت في هدوء وسكينة حيث لا أعرف أحداً ولا أُعرف
لم يقضّ مضجعي منظر الطالبات وهنّ يتجمهرن حولي , كَ منظرٍ غريب ,
إلتصقت بالجدار وكأني أحاول ان أخترقه لأهرب منهن إليه ,
شعري أشعث أغبر , ويديَ ناشفة متسخة , وجهي قد لاح به شحوب وإسمرار من شمس الصيف الحارقة ,
حاولت ان ألوذ من هنا أو هنا ,
ولكن الجمع كان غفيراً ,
والنظرات تختلف مابين تعجب و شفقة ومابين ازدراء وسخرية ,
نطقت إحداهن " ماوكلي فتى الأدغال " وتعالت الضحكات بعدها ,
لم أعي ماتقول ولكن شعرت انه كلاماً يؤذيني , فَـ حزنت .
الوقت أشبه مايكون بالدهر , لا أدري لِمَ ساعاتهم تمر بثقل ,
وأنا التي قبل ان أكون بينهم يمر وقتي كـ لحظة عين ,
أخذت أرقب الباب الكبير, أريد أن أفرّ منهن , ومن تلك النساء ,
اللاتي يتقززن مني حين يقتربن لمساعدتي في هجاء الأحرف
أي هجاء أردده , وأنا لم أتكلم مُنذ ولادتي إلا بضع كلمات ..!
وأي كلمات سً أتداولها في بيتِ صغير ,
مع أمٍ لا تفقه , وأبٍ ( يمشي على البركة )
وأخوة أحدهم مولود والأخر مفقود .. فقدناه إلى حيث لا ندري ,
هرب من الجوع الى الهاوية .. إلتقى بأحد أبنا الثراء الفاحش
وإنطلقوا إلى طريق سوداء مشبوهة .. وإنحراف بشع وأشياء لا تُذكر ,
العجب هو كيف إلتقى القطبان .. الفقر المدقع والغنى الباذخ ؟؟!
رن ّ الجرس معلناً نهاية اليوم البائس ,
ف انزويت بعيداً عن الزحام أقضم أظافري وأرتجف والخوفّ يدّب في أطرافي , كيف لي أن أصل إلى أبي ؟!
بقيت في أحد الزوايا وقتاً ليس بالقصير ,
حتى أقتربت منيّ سيدة كبيرة تتفقد المدرسة ,
مسحت على رأسي أنتي " غضية بنت محمد الدرويش " ؟
اومأت بأن "نعم .. أنا هي .. "
أوصلتني إلى والدي الذي انتظر طويلاً أمام سيارته ( الوانيت ) .
أحتضنته وكأني عدت من سفر بعيد , وغربة قاتلة , ( نروّح لبيتنا ) ؟
تشبثت به وانا أرتجيه أن لا أعود هنا ثانية .
وصلنا واستقبلتنا خالتي بخبر ( مروّع ) بأن امي في مخاض مبكرّ !
( خالتي التي هي بِ مثابة الحاضنة لنا في اول سنتين حتى نُفطم
وبعدها تهبنا لأبي أن أكمل دورك أنت !)
وقد حان دورها باكراً مع مخاض امي التي لا تعي مابها ,
صراخ , أنين , عويل, ولادة متعسرة جداً بمولود رابع إلا انه ( خديج ) .
أتعجب ويخالجني شعور الأسى , لِم نتكاثر ؟!
لِم يحرصون على أن نُوجَدْ في حياة ظمئى و زمن أغبر !
وفقر سامّ وجوع كافر .
وأي ثمرة سَ تُجنى من أبناء
ولدوا في مهد مهتريء ورضعوا الفقد , وفطموا على معيشة موبوئة .. ؟!
باتت خالتي عندنا ليالٍ طوال لـ ( تُعنى ) بوالدتي وخديجها و التي تدهورت صحتهما منذ اول يوم عُسر . في ليلة مظلمة وبعد ان سددت رمقي بخبزة جافة كَ كل مرة ألثمه بها أفزعني صوت منادي بالقرب منّا .. فخرجت له ! وأعطاني إناءً فيه بقايا ( فضلة ) عشاء " شيئاً من الأرز وقطع الدجاج وبعض من الخضار "
التهمته انا و أخي الصغير بكلتا يدينا , فقد خشينا ان يرجع ويأخذه
أكلت لقمتين والثالثة كانت غصّة ( اختطفت ) نفسي ..
حتى زالت , ورجعت ألتهم بشراهة أكثر
وحيث اني لم أعتد طعام الترف ,و لم يقتات جسمي الهزيل الا على الشظف ,
ليلتها أسهرني ألم في بطني لم يسبق ان مرني طيلة حياتي !
ولا يُلام فقد فُجع بوجبة لن تتكرر .
أصبحت بخمول وكسل , أثر تخمة لعينة , أفسدت نومي وأسهرتني,
أخافني الهدوء الساكن في ارجاء الخيمة ,
فـلا صوت أنين , ولا بكاء رضيع ولا تسابيح خالتي ؟
وقعت عينيّ مُرغمة على اخي جالساً بالقرب من كومة نفايات بالجوار
سألته : اين هم ؟!
فأ شار إلى جهة القرية .
بقينا في مكاننا حتّى قُبيل المغيب ( الغسق ) ، ولاح في الأفق المحمرّ ( الوانيت ) يطوي الأرض متجهاً صوبنا ،</B>
وخُذلتُ حينما رأيت والدي وخالتي والرضيع !!</B>
وأمي ؟
وأمي !!
كنت اسألهم بصوت مُرهق وضعيف وعبرة جافة تخنقني .!
( وين أمي )
دخلت هي للخيمة لتجمع أشياءنا ,و اتكئ هو على عصاه بوجع لايرحم كاهله ,
أمكم ( خلاص ماتت ماترجع عندنا راحت للسماء فوق ) ورفع رأسه لأعلى مترحماً عليها .
وكأنه أُنتزع قلبي من صدري , و ذابَ كمداً ..
لربما لم تكن سوى " مسمى ام "
ولكن لحظة لُذعت بحرارة يُتمٍ , وجعُ فقدِ وطعنة ..
تجمد الدمع في مقلتي وانكسرت
ضممتُ أخي إلى حجري , لـ أُسكن فزعهُ هو الأخر .,!
ومرت ثلاث سنوات عجاف ,
تشبعتْ بؤساً أكثر بفقد أبي الذي كان كهلاً مُذ خُلقت ,
توالت بعدها أيام يتيمة و ليالياً ثكلى
وختامها ليلة زواجي (ب قريبٍ درويش ) إلا أنه أفضل منّا بدرجة ,
وماكان إلا ( مُشفق ) وذا نخوة , وساعياً لأن يغرس بي بذرة ( نسل ٍ ) لاينقطع .!
وهاقد امتلئ بطني وتكوّر ,
ومنبئاً حياة البؤس لتلفظ ( وليداً )
يقيده الفقر بشرر وتلقفه الفاقة بحضن بارد
ولازلت أتعجب !
لِمَ نتكاثر ؟!