
12-18-2011, 06:55 PM
|
| |
العجوز
عمتي العجوز تتكرر على مسامعي منذ الصغر مقولة عن كبار العمر بأنهم (( فاكهة راحلة ))أي ان أعمارهم قصيرة وسيرحلون بسرعة, وذلك تنبيهاً لاستغلال الفرص بإسعادهم وتدليلهم ولمكانتهم الفضلى في المجتمع . وعمتي العجوز الموغلة في القدم من الفواكه المحببة إلي , أزورها دوما و في كل مرة أرى جسدها الهزيل يتقلص أكثر فأكثر... كما الفاكهة عندما تُترك لتنضج وتُنسى فتجف .. وكم يحزن قلبي لرؤيتها وهي تصعد الدرج بيديها ورجليها معا نظرا لآلام ظهرها الذي أحنته السنون !.. أصعد معها وأجلس بغرفتها العتيقة مثلها ملتصقة بها لأشتم رائحتها القديمة والخاصة .. تلك الرائحة التي لا تستطيع أية معامل باريسية أن تصنع مثلها!.. تسرد لي عمتي في كل مرة ببحتها الحزينة كناي ألف الجفاء قصة أبنائها الجاحدين ... أنجبت,تعبت, وربت وما حصدت إلا جحوداً ونكراناً رغم أنها كانت بارّة بوالديها, وهي تعلم أنه الاختبار الأخير لها في الحياة .. الآن تجلس وحيدة في بيتها لا يؤنس وحدتها سوى رنين الهاتف الذي بالكاد إتستطيع الوصول إليه قبل ان يعود الى صمته المعتاد . قربت إليها إناء الماء الذي غدا صديقها إضافة الى سبحتها, وجعلت مكان جلستها المحبب قريبا من الثلاجة وقبال التلفاز حتى يكون في متناول يديها بعض من مستلزمات البقاء البسيطة بالنسبة لسيدة عجوز وحيدة طحنت من العمر ما يناهز الثمانين حولا أدرك أن كبار العمر هؤلاء هم أسرار الحياة المطوية وحكمتها الجاهزة التي تقدم إلينا على طبق من فضة ,كيف لا وقد عجنتهم الحياة أو عجنوها لا فرق, فقد استطاعوا أن يستنبطوا منها حكمهم الخاصة كل حسب تفهّمه لماهية خلقه.. أي عقوق هذا وأي غباء أن تترك عمتي العجوز بغرفتها العتيقة وحيدة تنتظر الموت وكم هو مرير أن تلقى بعد جميلها النكران والخيبة من أعزّ ما خرجت به من الدنيا ووهبته عصارة القلب ودفء الروح وماء العينين .. قصة أعجبتني لأن أحداثها وبطلتها : العمة العجوز متقاربة جداً مع إحدى قريباتي أحببت أن أضعها بين أيديكم بأمان الله
`RiW`d`'i`
|