
12-18-2011, 07:56 PM
|
| |
سخرية بيضاء
كنا نجلس في الحديقة الواسعة للفيلا ، بينما كانت ليلى ابنتنا الصغيرة تلعب بالدمية التي اصطحبتها زوجتي سيلين من هولندا ، إنها نفس الدمية التي ظلت زوجتي في تلك المرحلة المظلمة من عمرها تعتبرها طفلها الذي نتج عن اعتداء وحشي تعرضت له من قبل شخص مخبول .
طبيب الأمراض النفسية روبرت كوك هو من نصح سيلين بأن تأخذ معها هذه الدمية إلى المغرب لكي تترسخ في ذهنها حقيقة كونها مجرد دمية بلاستيكية عادية ، لعبة من ألعاب الأطفال لا أكثر وليس ولدا من صلبها كما ظلت تتوهم في تلك الفترة المظلمة من حياتها وهي بالمصحة النفسية .
كنا نرتشف شراب الليمون أنا وسيلين ، ننتشي بالحديث الجميل الذي ينساب بيننا بأريحية رائعة . نظرت نحو ليلى وهي تجري بين أشجار الحديقة الخضراء اليانعة . كم كانت مفعمة بالسعادة والفرح الذي ينبثق من كل كيانها الحلو اللطيف .
_ كنت غبية ، كيف استطعت توهم أن هذه اللعبة البلاستيكية هي ابنا حقيقيا من صلبي ؟
قالت سيلين بنبرة محايدة . أجبتها :
_ لا ، لم تكوني غبية ، لقد تعرضت لتجارب جد قاسية ، وبذلك ترسخ مثل هذا الوهم في مخيلتك ، الحمد لله أن الأمر لم يتعد هذا المستوى .
صمتت سيلين . قالت بعد لحظة :
_ تصور ، إنني أجد الحياة كلها مجرد لعبة ، لعبة من نوع ما ، نلعبها بطرق متعددة . لكن في المقابل نكون نحن أيضا في كثير من الأحيان ، أو بالأحرى في كل الأحيان لعبة تلعب بنا هذه الحياة الخادعة .
أجبت وأنا أتابع ليلى وهي تجري وتمرح ووجهها الصغير المدور مليء بالفرح والحبور :
_ كلام أشاركك الاتفاق حوله .
نعم لقد بدا لي كلام سيلين حول لعبة الحياة صحيحا ، فكرت في السي أحمد بستاني فيلتنا ، وفكرت في صاحب الساق الواحدة الذي يرابط يوميا جنب الوكالة البنكية القريبة من الفيلا استجداء لرحمة من شخص قد يجود عليه بدريهمات ما ، فكرت أيضا في الشيخ جار الله ، الشيخ الذي يعيش أرذل سنوات عمره متنقلا جارا نفسه وقربته ليبيع ماءا بسعر لا يكاد يسد به رمقه . أليس هؤلاء كلهم بطريقة أو أخرى لعبا تشبه لعب أطفال تلهو بهم الحياة ؟ أليسوا بقايا مهملة في مستودع منسي للعب منسية في ركن أو زاوية ما من هذه الحياة ؟
تلقفت ابنتي ليلى حينما جرت نحوي ، وضعتها فوق فخذي ، قبلتها بحنو ، كانت تشبه إلى حد بعيد والدتها ، لكنها أخذت أيضا الكثير من عبق الصحراء وأريجها ولون رمالها الذهبية التي لونت عينيها وجعلتهما غاية في الجمال والفتنة .
_ كيف تجدين المدرسة ؟
سألتها بينما كانت تتلاعب بالطفل الدمية بين يديها :
_ معلمتنا لطيفة والدروس سهلة .
_ حسنا ، ماذا تتمنين أن تكوني في المستقبل ؟
_ ميغاميند .
_ ميغاميند ؟
_ شاهدتها في الفيلم ، قوية ورائعة .
ألا تفكرين في مهنة طبيبة للأسنان مثلا ؟
_ لا ، لا أحب قلع أسنان الناس ، كما لا أحب مشاهدة الدماء .
قالت ذلك ثم انسلت هاربة نحو المدى الشاسع في الحديقة المكسوة بالأشجار وبساط من النجيل الأخضر اليانع . كانت الفراشات وأوراق الأشجار تتطاير حولها .
نظرت خلسة إلى سيلين ، بدت أخيرا سعيدة جدا ، كما بدت وكأنها تبدأ مرحلة جديدة في مراكش ، مرحلة لا يمكنها إلا أن تكون رائعة كما أتصور وكما أتمنى .
_ أحبك يا سيلين ، لن يموت هذا الحب أبدا .
ابتسمت سيلين بامتنان ، عانقتني بود وقالت :
_ أنا أيضا أحبك ولن يموت حبي لك مطلقا .
تساءلت بعد هذا الحوار العاطفي القصير ، هل يكون الكلام الذي صرحنا به لبعضنا صحيحا ولن تعصف به لعبة ما من لعب الحياة التي تشبه لعب الأطفال ؟ هل نحن في منأى عن أن نصبح لعبا بين أيادي الحياة وتقلباتها ؟
لا أتمنى ذلك ، بل سأفعل المستحيل لكي لا يحدث ذلك ، داخل كل منا شيطان ، وداخل كل منا قوة قادرة على قهر هذا الشيطان ، الإرادة الطيبة وحدها هي التي تحدد من ينتصر في الأخير .
وبينما ساد صمت طويل بيننا ، فجأة هبت زوبعة قوية زعزعت الطاولة وتدفق شراب الليمون على الأرض .
قلت في نفسي بسخرية بيضاء : إنها لعبة من لعب الحياة الصغيرة .
`m`j`i.` `~i.`e`R`
|